ابن كثير
212
البداية والنهاية
عبد الحميد نائب الكوفة ، يأمره بأن يدعوهم إلى الحق ، ويتلطف بهم ، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض ، فلما فعلوا ذلك بعث إليهم جيشا فكسرهم الحرورية ، فبعث عمر إليه يلومه على جيشه ، وأرسل عمر ابن عمه مسلمة بن عبد الملك من الجزيرة إلى حربهم ، فأظفره الله بهم ، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج - وكان يقال له بسطام - ( 1 ) يقول له : ما أخرجك علي ؟ فإن كنت خرجت غضبا لله فأنا أحق بذلك منك ، ولست أولى بذلك مني ، وهلم أناظرك ، فإن رأيت حقا اتبعته ، وإن أبديت حقا نظرنا فيه . فبعث طائفة من أصحابه إليه فاختار منهم عمر رجلين ( 2 ) فسألهما : ماذا تنقمون ؟ فقالا : جعلك يزيد بن عبد الملك من بعدك ، فقال : إني لم أجعله أبدا وإنما جعله غيري . قالا : فكيف ترضى به أمينا للأمة من بعدك ؟ فقال : أنظراني ثلاثة ، فيقال إن بني أمية دست إليه سما فقتلوه خشية أن يخرج الامر من أيديهم ويمنعهم الأموال والله أعلم ( 3 ) . وفيها غزا عمر بن الوليد بن هشام المعيطي ، وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص ، الصائفة وفيها ولى عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الجزيرة فسار إليها . وفيها حمل يزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز من العراق ، فأرسله عدي بن أرطاة نائب البصرة مع موسى بن وجيه ، وكان عمر يبغض يزيد بن المهلب وأهل بيته ، ويقول : هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم ، فلما دخل على عمر طالبه بما قبله من الأموال التي كان قد كتب إلى سليمان أنها حاصلة عنده ، فقال : إنما كتبت ذلك لأرهب الأعداء بذلك ، ولم يكن بيني وبين سليمان شئ ، وقد عرفت مكانتي عنده . فقال له عمر : لا أسمع منك هذا ، ولست أطلقك حتى تؤدي أموال المسلمين ، وأمر بسجنه . وكان عمر قد بعث على إمرة خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي عوضه ، وقدم ولد يزيد بن المهلب ، مخلد بن يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد من على هذه الأمة ولايتك عليها ، فلا نكونن نحن أشقى الناس بك فعلام تحبس هذا الشيخ وأنا أقوم له أتصالحني عنه ؟ فقال عمر : لا أصالحك عنه إلا أن تقوم بجميع ما يطلب منه ، ولا آخذ منه إلا جميع ما عنده من مال المسلمين . فقال : يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة عليه بما تقول وإلا فاقبل يمينه أو فصالحني عنه ، فقال : لا آخذ منه إلا جميع ما عنده . فخرج مخلد بن يزيد من عند عمر ، فلم يلبث أن مات مخلد . وكان عمر يقول : هو خير من أبيه . ثم إن عمر أمر بأن يلبس يزيد بن المهلب جبة صوف ويركب على بعير إلى جزيرة دهلك التي كان ينفي إليها الفساق ، فشفعوا فيه فرده إلى السجن ، فلم يزل به حتى مرض عمر مرضه الذي
--> ( 1 ) وهو شوذب الخارجي ، من بني يشكر وخرج في جوخى في ثمانين رجلا . ( 2 ) في الطبري 8 / 132 وابن الأثير 5 / 45 ومروج الذهب 3 / 233 : ان بسطام بعث رجلين إلى عمر يدارسانه ويناظرنه . في الطبري وهما : ممزوج مولى بني شيبان ( وفي ابن الأثير : عاصم ) والآخر من صليبة بني يشكر . ( 3 ) كذا بالأصل والطبري 8 / 132 وانظر مناظرة طويلة بينه وبينهما في ابن الأثير 5 / 46 وما بعدها ومروج الذهب 3 / 233 وما بعدها . والإمامة والسياسة 2 / 118 - 120 .